ابن كثير

392

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عباس رضي اللّه عنهما ومجاهد وغير واحد . وقال سفيان الثوري : قرأ واصل الأحدب هذه الآية وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فقال : ألا إني أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض ؟ فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا ، فلما أن كان اليوم الثالث إذا هو بدوخلة « 1 » من رطب ، وكان له أخ أحسن نية منه ، فدخل معه فصارتا دوخلتين ، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت « 2 » . وقوله تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ يقسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء كائن لا محالة ، وهو حق لا مرية فيه ، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون ، وكان معاذ رضي اللّه عنه إذا حدث بالشيء يقول لصاحبه : إن هذا لحق كما أنك هاهنا ، قال مسدد عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن البصري قال : بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « قاتل اللّه أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا » ورواه ابن جرير « 3 » عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن فذكره مرسلا . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 24 إلى 30 ] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ( 24 ) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ ( 25 ) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ( 26 ) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 27 ) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ( 28 ) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ( 29 ) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 30 ) هذه القصة قد تقدمت في سورة هود والحجر أيضا فقوله : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ أي الذين أرصد لهم الكرامة ، وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل ، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزيل . وقوله تعالى : فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ الرفع أقوى وأثبت من النصب ، فرده أفضل من التسليم ولهذا قال تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [ النساء : 86 ] فالخليل اختار الأفضل . وقوله تعالى : قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وذلك أن الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل قدموا عليه في صورة شبان حسان عليهم مهابة عظيمة ولهذا قال : قَوْمٌ مُنْكَرُونَ وقوله عز وجل : فَراغَ إِلى أَهْلِهِ أي انسل خفية في سرعة فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ أي من خيار ماله ، وفي الآية الأخرى : فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ [ هود : 69 ] أي مشوي على الرضف فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ أي أدناه منهم قالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ تلطف في العبارة وعرض حسن ، وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة ، ولم يمتن عليهم أولا فقال : نأتيكم بطعام بل جاء به بسرعة وخفاء ، وأتى بأفضل ما وجد من ماله ، وهو عجل فتي سمين مشوي ،

--> ( 1 ) الدوخلة : النسيجة من خوص . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 11 / 461 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 11 / 462 .